التقارير والحوارات

من الحرب إلى الجوع: كيف تعيد المعارك رسم خريطة الأمن الغذائي في السودان؟

أخباركم نيوز

من الحرب إلى الجوع: كيف تعيد المعارك رسم خريطة الأمن الغذائي في السودان؟
تقرير إنساني : رابعة دحفوس
في السودان، لم يعد الجوع أثراً جانبياً للحرب، بل أصبح جزءاً من تداعياتها المباشرة. فمع تحرك خطوط القتال، تتغير معها خريطة الغذاء: أسواق تتعطل، طرق إمداد تصبح أكثر خطورة، مزارعون يفقدون القدرة على الوصول إلى أراضيهم، وأسر تنزح إلى مناطق تعاني أصلاً من نقص الموارد.

تشير أحدث بيانات برنامج الأغذية العالمي إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما لا يزال خطر المجاعة قائماً في عدد من المناطق المتأثرة بالصراع.

لكن الرقم لا يروي القصة كاملة.

الحرب تعطل النظام الغذائي

الأزمة لا تتعلق فقط بنقص الطعام، بل بقدرة الناس على الوصول إليه.

فالقتال والقيود على الحركة أضعفا الإنتاج الزراعي، وعطلا الأسواق وطرق التجارة، وأثرا في خدمات المياه والصحة، بينما جعل انعدام الأمن وصول المساعدات الإنسانية أكثر صعوبة.

وهكذا أصبحت المسافة بين المزرعة والسوق، وبين السوق والأسرة أكثر هشاشة.

كردفان.. النزوح يعيد توزيع الاحتياجات

في الأبيض، عاصمة شمال كردفان، تتجسد هذه الأزمة بوضوح. فقد حذر برنامج الأغذية العالمي في يوليو/تموز 2026 من تدهور الوضع الإنساني مع وصول أعداد كبيرة من النازحين من كردفان ودارفور.

وتواجه المدينة ضغطاً متزايداً على الغذاء والمياه والوقود والخدمات، بينما تؤدي الاشتباكات والهجمات بالطائرات المسيّرة إلى عرقلة حركة المساعدات.

IMG 20260808 WA0018

وفي يونيو/حزيران، قال البرنامج إن استمرار القتال منعه من إيصال مساعدات منقذة للحياة إلى نحو 200 ألف شخص كان من المخطط الوصول إليهم.

وهكذا تتكرر الحلقة:

قتال → نزوح → ضغط على مناطق الاستقبال → ارتفاع الاحتياجات → مزيد من الهشاشة الغذائية.

الجوع يبدأ قبل أن ينفد الطعام

الجوع لا يبدأ عندما تصبح المائدة فارغة.

يبدأ عندما يفقد المزارع أرضه أو قدرته على الوصول إليها، وعندما ترتفع تكلفة النقل، وتتوقف الأسواق، وتفقد الأسرة مصدر دخلها.

وقد أدى النزاع إلى نزوح نحو 9 ملايين شخص داخل السودان، وفق برنامج الأغذية العالمي، ما زاد الضغط على المجتمعات المضيفة والأسواق والخدمات.

وفي دارفور وكردفان، يتداخل القتال والنزوح مع ضعف الإنتاج وصعوبة الوصول الإنساني، ما يجعل السكان أكثر عرضة لانعدام الأمن الغذائي الحاد.

الأطفال في مقدمة المتضررين

الأطفال دون الخامسة هم الأكثر عرضة لتبعات سوء التغذية.

وتتوقع وكالات الأمم المتحدة أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الشديد خلال 2026. وبين يناير ومارس، أُدخل قرابة 100 ألف طفل إلى برامج علاج سوء التغذية الحاد الشديد، وفق البيانات الأممية.

هنا يتحول الجوع من أزمة غذائية إلى أزمة مستقبل، لأن سوء التغذية في الطفولة قد يترك آثاراً طويلة الأمد على الصحة والنمو.

المساعدات تحت ضغط الحرب والتمويل

في الوقت الذي تتسع فيه الاحتياجات، تواجه الاستجابة الإنسانية نقصاً في التمويل وصعوبات في الوصول.

وبحسب وكالات الأمم المتحدة، كانت خطة الاستجابة الإنسانية للسودان لعام 2026 ممولة بنحو 20% فقط حتى أبريل/نيسان.

وحذر برنامج الأغذية العالمي في يوليو/تموز من أن استمرار فجوة التمويل قد يؤدي إلى تراجع مخزوناته الغذائية بصورة حادة خلال الأشهر التالية، بما يهدد قدرته على مواصلة تقديم المساعدات بالمستوى المطلوب.

من الإغاثة إلى استعادة الإنتاج

رغم اتساع الأزمة، لا يمكن أن يكون الحل في المساعدات وحدها.

فالزراعة والأسواق المحلية تمثلان جزءاً أساسياً من قدرة السودان على استعادة أمنه الغذائي. وفي يونيو/حزيران 2026، أعلن البنك الأفريقي للتنمية وبرنامج الأغذية العالمي مشروعاً بقيمة 87 مليون دولار لدعم صمود النظم الزراعية والغذائية، ومساندة المزارعين وتقليل فاقد ما بعد الحصاد وربط المنتجين بالأسواق.

لكن استعادة الأمن الغذائي تتطلب أكثر من تمويل المشاريع؛ فهي تحتاج إلى حماية المدنيين، وتأمين الطرق والأسواق، وتمكين المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، وضمان وصول المساعدات إلى المناطق الأكثر احتياجاً.

خريطة غذاء ترسمها الحرب

الحرب في السودان لا تعيد رسم خطوط السيطرة على الأرض فحسب؛ إنها تعيد رسم الخريطة الغذائية للبلاد.

مناطق تفقد قدرتها على الإنتاج، وأسواق تتعطل، وطرق إمداد تتقطع، ومدن تستقبل موجات جديدة من النازحين، فيما تتزايد أعداد الأسر التي تعتمد على المساعدات.

لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: كم يملك السودان من الغذاء؟

بل أصبح:

من يستطيع الوصول إليه؟ ومن يستطيع إنتاجه؟ ومن يملك القدرة على شرائه؟

فالأمن الغذائي في السودان لن يستقر من دون معالجة جذور الأزمة: الحرب والنزوح وتعطل الإنتاج والأسواق وقيود الوصول الإنساني.

وفي النهاية، تبقى المعادلة الأكثر وضوحاً:

كلما طال أمد الحرب، اتسعت خريطة الجوع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى